القبيلة والقبائلية .. هويات ما بعد الحداثة
تمثل القبيلة واحدة من أهم البنى الاجتماعية التي تقوم عليها مجتمعاتنا العربية كما هو الحال في المجتمعات الأخرى في مراحل معينة من تاريخها، وهي بنية متغلغلة في وجودها لما تمتلك من تراث يؤسس لوجود متماسك لا يلغى بمجرد اندماج هذه المجتمعات بمظاهر الحداثة وإن ضمر التعبير القبليّ وفقا لظروف تاريخية معينة.
استدعت القبيلة والقبائلية اهتمام الناقد عبد الله الغذامي في كتابه “القبيلة والقبائلية أو هويات ما بعد الحداثة” الصادر عن المركز الثقافي العربي عام 2009، إذ جاء هذا الكتاب استمرارا لمشروع الغذامي في النقد الثقافي الذي ظهر في عدد من كتبه ولا سيما كتابه الذي حمل اسم هذا الاتجاه النقدي.
جاء الكتاب موضوع المقالة الحالية في ستة فصول، تناول في الفصل الأول بعض المفاهيم التأسيسية لأطروحة الكتاب، وأهم هذه المفاهيم مفهوم “الحسب والنسب” الذي يشير إلى ما يحسبه المرء لنفسه من مفاخر آبائه وأجداده؛ وقد حصل ربط اعتباطي بين الحسب والنسب في الثقافة العربية، فلا تذكر المفردة الأولى إلا بذكر الثانية لتدل على المفاخر المتوارثة عبر الأجيال التي تنتمي إلى سلالة واحدة.
لم يقصر الغذامي هذا المفهوم على الثقافة القبلية، بل وسعه ليشمل الوجود الإنساني بكليته مستندا في ذلك إلى المشترك في الصفات البشرية، فقد أشار برتراند راسل إلى صفات ثلاث ظلت مطلبا غريزيّا للإنسان، وهي صفات المجد والسلطة والتنافس. ويتداخل تناول الغذامي لهذه الصفات مع مفهوم الحسب والنسب دون أن يحاول إجراء فرز مباشر لها، والمتأمل في هذه المفاهيم سيجد أن المجد يتصل بالحسب والنسب كما أن السلطة قد تمثل إحدى تبعاته، غير أن التنافس يبتعد أحيانا عن مفهوم الحسب والنسب، إذ قد يصبح قوة مثبطة له ما دامت ثقافة الحسب والنسب تحقق السلطة لمن يمتلكه وفق عرف المجتمع؛ هذا مع أنه قد يكون في أحيان أخرى محفزا للتنافس.
يرى الغذامي أن الموروث السردي لأي أمة أو بنية اجتماعية يمثل مادة لتحقيق الحسب تتوارثه أجيال تنتمي إلى ثقافة واحدة، إذ يجزم بعدم تحقق صفاء النسل لأي أمة، فكما أن العرب يتخذون من قصة زواج إسماعيل عليه السلام من جرهم الانطلاقة الأولى لمفخرتهم قبل الانطلاقة الثانية المتمثلة بالإسلام تأتي قصة الحلم الأمريكي مشابهة لقصة العرب حيث تؤسس الهجرة واندماج العناصر في أمريكا لمعنى كلي تتوالد عنه قيم المجد والسلطة والتنافس. ومن هذا المنطلق يجعل الغذامي من ثنائية (الحسب/ النسب) قانونا ثقافيّا مشتركا كونيّا لتأسيس وحدة ذهنية تتكامل مع الوحدة الجغرافية والاقتصادية والسياسية، ولعل من الملاحظ أن الغذامي يتجه إلى تعميم منتجنا الثقافي المتمثل بثنائية الحسب والنسب على البشرية، وإن كان القارئ لا يجد إشكالا في هذا التعميم فإنه يتساءل عن مدى أهمية الصفات الثلاثة لدى راسل التي بدأت تتراجع أمام هذه الثنائية في تناول الغذامي.
يميز الغذامي بين بعض المفاهيم المهمة لاستكمال التأسيس لأطروحة الكتاب، ففي حين تمثل القبيلة معنى إيجابيا يتضمن حديثا عن النحن تعبر القبائلية عن السلب وتقصي الغير فيعدّ نقيضا للنحن، وهذا ما يمكن أن ينطبق على مصطلحات أخرى مثل عرق وعرقية التي تمثل الهوية الباعث الثقافي المضمر لها. ويتناول الغذامي الهوية بوصفها ثمرة للصراعات بين تمييزات لونية وعرقية ومعتقدية تكونت في سيرورة طويلة من سلوك البشر وثقافاتهم حيث التنوع يفضي إلى التميز وليس إلى المنافسة والتعارف ينتهي بالتنافر وليس التآلف. ويخلص الغذامي من ذلك إلى أن القبائلية والعرقية مترادفتان، فهما معا صيغتان من صيغ الهوية. وهذا ما سيجعل الغذامي يتعامل مع مختلف الهويات الثقافية على أنها قبائل بصيغة من الصيغ.
في الفصل الثاني من الكتاب “الإسلام والقبيلة” يتناول الغذامي موقف الإسلام من القبيلة والقبائلية منطلقا من الآية الكريمة: “يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير” ففي حين أقر الإسلام بوجود القبائل بوصفها صيغة يتعارف من خلالها الناس رفض أن تكون هذه الصيغة أساسا للتفاخر والتمييز بين الناس، وبهذا يتبين موقف الإسلام الرافض للقبائلية دون أن يتخذ موقفا سالبا من وجود القبيلة.
يؤكد الغذامي التشابه بين القبيلة والشعب أو العرق من خلال الآية الكريمة التي عطفت القبائل على الشعوب، ويجد في بعض الحوادث في أوروبا ما يؤكد هذا التشابه، فغضبة الأوروبيين عندما وصف الأمريكيون أوروبا بالقارة العجوز تشبه غضبة بني تميم كما أورثنا إياها جرير، كما أن الدول القومية الحديثة تتخذ لنفسها علامات خاصة تشبه الوشم لدى القبيلة، فالعلم والنشيد الوطني وإن كانا صناعة بسيطة يتخذان قيمة عليا لدى الأمم إذ يمثلان علامة يتحقق من خلالها التعارف بين الناس من مختلف الأجناس والفئات.
ومع أن الإسلام رسّخ التقوى ميزانا للأفضل بين الناس إلا أن الكتاب يستعرض نصوصا أدبية تراثية تؤكد فاعلية القبائلي العصبي في مقابل الديني والأخلاقي، إذ يتغلب النسقي النابع من المضمر الثقافي في حين تبقى المثل قيما عليا متعالية على الواقع الذي يديره وينتظم بنظام ذهني خاضع لشروط النسق. وهذا ما يجعل زهير بن أبي سلمى يتناقض مع نفسه في قصيدة واحدة إذ تدعوه المثالية لأن يقول : “ومن لا يتق الشتم يشتم” في حين تدعوه الذاكرة النسقية لأن يقول: “ومن لا يظلم الناس يظلم”.
لقد دخل العرب في تحولات تاريخية أثرت على البنية القبلية للمجتمع العربي، مما دعا إلى إيجاد مصطلحات جديدة تعبر عن هذا التحول، كالعرب العاربة والعرب المستعربة، وهذا ما يركز عليه الغذامي في الفصل الثالث من كتابه. فإن كان زواج إسماعيل عليه السلام من جرهم أدى إلى ظهور المستعربة الأوائل فإن دخول أمم عديدة في الإسلام ونطقها باللسان العربي قد وسع دائرة المستعربة بصورة ضخمة حتى إن العرب العاربة باتوا لا يمثلون الأغلبية بين العرب في حين صارت اللغة هي فحوى العروبة وليس الانتماء إلى قبيلة ما.
لقد تأثرت بنية القبيلة بالتغيرات التي طرأت على العرب خلال التاريخ، فالأوس والخزرج في يثرب أصبحوا أنصارا ومكة أصبحت بوتقة صاهرة للتكوين الإنساني فيها. وقد قلص التكوين المدني من الانتماء القبلي ليحل محله الانتماء إلى المدينة أو الحارة بوصفها نظاما اجتماعيا يتلاءم مع التكوين المديني الحديث المستقر في حين تتلاءم القبيلة مع البناء الصحراوي القائم على الترحال. على أن هذه البنى الاجتماعية كلها لا تتنازل عن التفاخر الذي يتم من خلاله احتكار القيم العليا وسلبها عن الآخرين لإقصائهم، ومع أن الغذامي يركز على أهمية العائلة بوصفها أفضل ما ابتكره الإنسان من أنظمة اجتماعية إلا أنه لا يخرجها من دائرة التفاخر تلك.
ويخوض الغذامي في الفصل الرابع من كتابه في تحليل ثقافة القبيلة التي يرى فيها دولة وفق تصور مرحلي مبكر لنظام الدولة، إذ يؤدي نظام الدولة وظيفة ضرورية لأعضائه كما تؤدي القبيلة وظيفة لأعضائها، لكن الغذامي يبسط عملية الانتقال من نظام القبيلة إلى نظام الدولة، فالقبيلة “دولة من لا دولة له، ولكن إذا قامت الدولة فإنها تقوم بالوظائف الضرورية للإنسان”، ولا شك في أن مجرد قيام الدولة لا يلغي كيان القبيلة والنظام القبلي الداخلي والاحتماء بها، فالدولة كيان رخو في طبيعته؛ أي أنه يتشكل بطرائق عديدة تتوافق مع طبيعة المجتمع الذي تقوم فيه، إذ سنجد قوانين تسن للتوافق مع طبيعة البنية الاجتماعية في هذه الدولة، ومع أن الغذامي أشار إلى النظام الاقتصادي بوصفه نظاما يقتضي تغيرا في بنية المجتمع إلا أنه لم يتنبه إلى أن هذا النظام لم يتكون في منطقتنا أصلا، أي أنه لم يتلازم مع تغير في طبيعة الإنتاج في المنطقة بل هبط إلينا مرة واحدة بحكم كوننا ننتمي إلى اقتصادات تابعة على خلاف التغيرات التي تعرضت لها أوروبا في الثورة الصناعية إذ تفتتت لديها بنية اجتماعية وحلت أخرى.
وعلى الرغم من التشابه بين القبيلة والدولة من حيث أن كلا من هاتين نظام معاشي يؤدي وظيفة لأعضائه إلا أن هناك فارقا يصل إلى درجة التناقض والتعارض بين كلا النظامين بحسب رؤية الغذامي، فالقبيلة تقوم على الترحال وتتشكل ثقافتها وفقا لهذه السمة، فاقتران الفتاة بابن عمها ناتج عن ذلك إذ يقتضي الترحال أن يكون الزواج في إطار القبيلة لكي لا ترتبط قسرا بمكان محدد. وقد اقتضى الترحال المستمر أن تعتمد القبيلة اقتصادا أحاديّا خفيفا يتوافق معه. ولعل من الملاحظ أن الغذامي يتجاوز في هذا التناول فارقا جوهريا بين القبيلة والدولة ، فالقبيلة بنية راسخة في الذهن كما يشير في أحد العنوانات الفرعية من الكتاب أما الدولة فنظام يتشكل بوعي كامل ووفق تخطيط مسبق، وهذا ما يقود أحيانا إلى تشكيل دولة القبيلة إذ تتغلب البنية الراسخة على النظام الرخو وتدخل في مؤسساته التي تقاد وفق النسق الثقافي المعلن أحيانا والمضمر أحيانا أخرى.غير إن الغذامي تجاوز دور الدولة ضمن ظروف ومتغيرات التاريخ المعاصر، مما جعل كتابه في كثير من الأحيان يميل إلى التوجيه التربوي أكثر من التحليل والنقد.
ويحلل الغذامي مجموعة من النصوص الأدبية في محاولة منه للوقوف على نماذج للنظام الذهني الثقافي العربي، ففي حين وجد في لامية العرب ميلا إلى تأسيس نظام قيمي أشد تطرفا إذ عبر عن الصحراوي المغرق في صحراويته رأى في نونية المثقب العبدي موقفا حاسما يشبه موقف جورج بوش ضد الإرهاب، فإما أن تكون معنا أو علينا. أما دالية دريد بن الصمة في وقعة منعرج اللوى فقد خلدت دريدا وعبرت عن التزام الفرد مع الجماعة على الرغم من أن هذا الالتزام قد يضر بها، فقد طاوع دريد أخاه بعد انتهاء المعركة مع غطفان متجاوزا رأيه إذ لبث للراحة في مكان غير بعيد عن غطفان، وما كان إلا أن جاءت غطفان وأخذت بثأرها واستعادت غنائمها. فسجل دريد في قصيدته الدالية موقفه وموقف أخيه الذي قتل في المعركة.
وإن ذهب القارئ مع الغذامي في قراءته للامية العرب ودالية دريد بن الصمة، فإن قراءته لميمية المثقب تدعو إلى التوقف، فقد ظهر في تناولها تهويم للنص وتعميم لدلالاته، ففضلا عن قياس موقف المثقب بموقف جورج بوش الذي قايس موقفا له ظروفه ومواضعاته الخاصة بموقف سياسي له ظروف أخرى نجد إسقاطات ثقافية في دراسة النص وتجاوزا لعمق الدلالة الإنسانية في النص الجاهلي، فهو يحول موقف الشاعر من الناقة التي جعلها تشكو وتبوح بمشاعرها في إشارة إلى قربها النفسي منه وتعاطفه معها إلى تغافل عن أحاسيسها وتأوهاتها.
في “إعادة اكتشاف القبيلة” الفصل الخامس من الكتاب يتوجه الغذامي إلى أطروحة الكتاب الأساسية إذ يتناول إشكالية القبائلية لدى الأمم على المستوى العالمي، ولدى بعض المجتمعات العربية، فالانفتاح الذي جاء بفعل التلفزيون والإنترنت ووسائل الاتصال قوبل بانغلاق ونكوص، وكلما ازددنا انفتاحا وتعرفا على الآخر ازددنا رغبة في النكوص والالتجاء إلى الذات، حتى إن المرء صار يتعرف على العالم لا لكي يتفاعل معه ولكن لكي يزداد نفورا منه.
يتناول الغذامي في هذا الفصل وجهين للقبائلية، وجه يتعلق بظهور الهويات القبلية في المجتمع السعودي أو على مستوى نظرة المجتمعات العربية بعضها إلى بعض، وآخر يتعلق بالسياسات الغربية التي تنطلق من المركزية الغربية أو تلك الهويات الفرعية التي ظهرت في المجتمعات الغربية فأدت إلى تمييزات عنصرية انطلاقا من دين أو لون أو انتماء فكري. ويعيد الغذامي بروز هذه الأصوليات في عصر ما بعد الحداثة إلى عدد من العوامل أهمها الخوف من المستقبل الذي يحمل في طياته تهديدا للوجود البشري خاصة بعد الانفجار العلمي الذي أدى إلى التنبؤ بكوارث يمكن أن تصيب كوكب الأرض، وسقوط الطبقة الوسطى بما تمثله من رمزيات وقيم حداثية سياسية واقتصادية، وانهيار المشروع الكوني في التعليم الذي لم يعد منقذا للبشر من أمراضهم الثقافية.
وقد جاء الفصل الأخير من الكتاب “الأصول” ليقول إن الناس جميعهم وفق نظرية الداروينية الجديدة يولدون محملين بقدرات متماثلة، وتحدث الفروق بناء على ما يمر عليهم من ظروف وتحديات، غير أن الثقافات تقول بأن البشر غير متساوين من حيث الخصائص الوراثية العرقية وابتكرت ثقافة الأصل بوصفها خاصية وراثية افتراضية تجعل المرء يؤمن بأن له موروثا يختلف به عن غيره وأن موروثه ذو خصائص تميزه وترتقي به. والحقيقة أن هذا التفضيل لا يعدو أن يكون مقولة لا تمتلك برهانا أو حجة.
لقد ارتكز الغذامي في أطروحته على تعرية الواقع من المجملات التي يمكن أن نستند إليها في طمأنة أنفسنا إلى ما هو قائم. إنها تعرية تقودنا إلى النظر عن بعد إلى أنفسنا وإلى العالم الذي نعيش فيه مما يجعلنا أقرب إلى الحقيقة.



