مقالات

العشيرة… بين لحمِ الأرض وروحِ الوطن

يعربية1منذ أن رفع الإنسان أول خيمةٍ على أطراف الصحراء، وسمّى من حوله أبناء الدم والعصب بـ”العشيرة”، كانت هذه الكلمة أكثر من رابطةٍ نسبية؛ كانت بوصلةَ انتماءٍ، ومأوى وجودٍ، وصرخةَ هويةٍ في وجه العدم. كانت الأرض بلا عشيرةٍ تيهاً، والسماء بلا نسبٍ غربةً، فكانت القبيلة أمّاً في زمنٍ لم يكن للإنسان فيه وطنٌ سوى ما تحمله ذاكرته من دفء النار في الليالي الباردة.

قبل الإسلام، كانت القبائل العربية كجزرٍ متباعدة في بحرٍ من الرمل، تتناحر كما تتناطح الرياح في الفلاة، لا لشيءٍ إلا لحميّةٍ جاهليةٍ تأكل أبناءها كما تأكل النار حطبها. من “حرب البسوس” التي أورثت الصحراء لعناتٍ من دمٍ ودمع، إلى داحس والغبراء، كانت القبيلة تُقاتل لتثبت وجودها لا لتبني حضارتها، وكان السيف هو المعنى الأوحد للكرامة، والدم هو اللغة التي لا تحتاج إلى ترجمان.ثم جاء الإسلام، فجمعَ ما تفرّق، ووحّد ما انكسر، وصاغ من رمال العرب أمةً لها وجهٌ واحدٌ وقلبٌ واحد. لم يعد الانتماء إلى اللحم والعظم بل إلى الفكرة والإيمان، إلى كلمةٍ تهزُّ القلوب لا الرماح، فذابت القبائل في جسدٍ واحدٍ يُدعى الأمة. لكن ما إن أُسدل الستار على حياة النبيّ، حتى تسلّلت العصبية القديمة من ثقوب التاريخ، فعادت بعض القبائل إلى الارتداد كأنها تخشى الفراغ الذي تركه غياب القائد، فكان لأبي بكر أن يُعيد الخيط إلى العقد، ولعمر أن يُقيم ميزان العدل فوق عواصف الولاء والدم.

ومع مرور الزمن، حين ارتفعت قصور بني أمية ثم بني العباس، عاد الدم يسيل لا لأنّ القبائل جاعت، بل لأنّ العروش عطشت إلى الولاء. تحولت القبيلة من نواةٍ جامعةٍ إلى أداةٍ في صراعٍ سياسيٍّ بين المشرق والمغرب، بين نار المجوسية الباقية تحت الرماد، وريح الروم التي ما زالت تهمس في أذن الضعفاء. كانت الدماء تُراق باسم الدين، والدين منها براء، وكانت القبائل تتناحر من أجل السلطان، لا من أجل الحقّ الذي قامت عليه الرسالة.واليوم، بعد أن انكسرت الخلافة، وتكسّر ظلّ الوطن بين فقرٍ وخداعٍ وسلطةٍ تُشترى بمال الشعب، نرى العشائر تُساق من جديد إلى لعبةٍ قديمة بثوبٍ جديد. صار الشيخُ يُقاس بما يُمنح لا بما يُمنع، وبما يملكه من علاقاتٍ لا بما يحفظه من كرامات، وانقسمت العشيرة الواحدة بين ولاءاتٍ تُملى عليها كما تُوزّع الحصص على طاولة السياسة. يتحدثون باسم الشعب، لكنّهم يقتاتون من فتات السلطة، يرفعون الرايات لا للكرامة بل للمناصب، حتى صار بعضهم يُعيد إحياء حكم الإقطاع بثوبٍ من الوطنية المزيّفة.لكن العشيرة، في أصلها الأصيل، ليست حزباً ولا ذراعاً للسلطة. هي ضمير الأرض حين يصمت الحاكم، وصوت العدالة حين تُكمم الأفواه. العشيرة لا تُربط بسلاسل السياسة، ولا تُشترى بذهب الدولة، لأنّها روحٌ أقدم من الدولة ذاتها، وجذرٌ أعمق من أي دستورٍ أو نظام. مكانها الطبيعي في صفّ الوطن، لا في صفّ الحاكم. قوتها حين تبقى مستقلة، شامخةً مثل نخلةٍ في وجه الريح، لا تميل إلا للحقّ، ولا تبايع إلا الكرامة.

الشيخ الحقّ ليس من يجلس على عرشٍ من ولاءاتٍ مزيفة، بل من يحمل وجع أبناء عشيرته كما يحمل الأب طفله، يقف معهم لا فوقهم، ويحفظ دماءهم لا ليقايض بها، بل ليصون بها معنى الرجولة والشرف. العشيرة التي تنحاز إلى الشعب تبقى في الذاكرة، والتي تنحاز إلى السلطة تموت في أول تغييرٍ سياسيٍّ أو انقلاب.إننا نعيش زمناً يُراد فيه تفتيتُ النسيج باسم الحداثة، وإضعافُ العشيرة باسم الدولة، بينما الحقيقة أنّ الوطن لا يقوم إلا على جذورٍ تعرف معنى التضحية. العشيرة ليست نقيض الوطن، بل هي قلبه النابض منذ الأزل، وإذا أراد الحاكم بناء دولةٍ قوية فعليه أن يضع العشيرة في مكانها الصحيح: درعاً للوطن، لا سيفاً عليه.

ستبقى العشيرة، ما دامت الأرض تنبت رجالاً، هي المأوى الأخير حين تخون المدن أبناءها، وهي الذاكرة التي لا يقدر المال على شرائها، ولا السياسة على احتوائها. فحين تنهار الأنظمة وتُمحى الأسماء، تبقى القبيلة في ذاكرة الصحراء مثل نقشٍ لا تمحوه الريح : شامخةً، مستقلةً، تُصلي لوطنٍ لا لسلطة، وتُقسم بترابها لا بعروشٍ زائلة.

لأن العشيرة — في جوهرها — ليست تجمعَ دمٍ فحسب، بل إرثُ كرامةٍ، ووصيةُ شرفٍ، وصدى قديمٌ يقول منذ فجر التاريخ: من فقدَ عشيرته، فقدَ صوته في وجه الطغاة.

اظهر المزيد

مركز دراسات القبائل العربية

مركز دراسات متخصص بالقبائل والعشائر, يهدف لتجديد الهوية العربية الأصيلة وإعادة الإعتبار لثقافة وقيم القبيلة وترسيخ مكانتها الوطنية والتاريخية ودورها في دعم التنمية والأمن الاجتماعي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى