دور حاسم للقبائل السورية في تحرير منطقة الجزيرة

شهدت مناطق شرق سوريا خلال الأسابيع الماضية تحولات ميدانية متسارعة ، تمثّلت في تقدم واسع للجيش السوري بمساندة قوات من العشائر العربية، وسيطرته على مساحات إستراتيجية كانت خاضعة لقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، في تطور يُعد من أبرز المتغيرات العسكرية والسياسية في المنطقة منذ سنوات , وشملت السيطرة الحكومية مدن وموقع استراتيجية ، إضافة إلى قواعد جوية وسدود مائية وحقول نفط وغاز حيوية ، أبرزها حقل العمر، الأكبر في سوريا، إلى جانب حقول كونيكو والجفرة والتنك وصفيان وثورة.
وبحسب مصادر ميدانية ، سقطت بعض المناطق خلال أقل من 24 ساعة ، وسط انسحابات متتالية لقسد ، ما يعكس انهيارا سريعا في بنيتها العسكرية والتنظيمية , وبدأت العمليات مع دخول الجيش السوري إلى منطقة شرق الفرات ، بالتزامن مع هجمات شنتها قوات العشائر العربية على مواقع “قسد” في دير الزور والحسكة ، مستفيدة من حالة الارتباك وضعف التنسيق داخل صفوفها.
وقال مصدر عسكري في الجيش السوري ، إن التقدم السريع يعود بالدرجة الأولى إلى الدعم العشائري المحلي، حيث انخرطت قبائل عربية بشكل مباشر في العمليات ، وسهّلت دخول القوات الحكومية لمناطق واسعة دون مقاومة كبيرة , وأضاف أن هذا الدعم أسهم في إحكام السيطرة على دير الزور وحقولها النفطية خلال وقت قياسي , وأشار المصدر إلى أن الانسحابات الجماعية لقسد من مناطق عدة، بينها الأشرفية في حلب، إلى جانب “التخبط” في الأوامر بين قياداتها، أدى لسقوط جيوب معزولة مثل حي الشيخ مقصود ، فضلا عن ضعف الحاضنة الشعبية لها في منطقة الجزيرة ذات الغالبية العربية.
وقال تشارلز ليستر الباحث في معهد الشرق الأوسط , إن “جهود الحكومة السورية نجحت في أواخر عام ٢٠٢٥ للتواصل مع القبائل المتمركزة في شرق سوريا في ضمان انشقاقها الجماعي عن قوات سوريا الديمقراطية، ما مكّنها من السيطرة على نحو ٨٠٪ من أراضي القوات خلال ٢٤ ساعة فقط قبل أسبوع. إلا أن الطبيعة العسكرية لهذه القبائل ووضعها خارج أي تسلسل قيادي حكومي يجعلها عاملًا معقدًا في المستقبل. فعندما اندلع الصراع في محافظة السويداء ذات الأغلبية الدرزية في يوليو ٢٠٢٥، أدى اضطهاد الميليشيات الدرزية للمجتمعات القبلية البدوية إلى حشد قبلي على مستوى البلاد، أسفر عن دمار واسع النطاق وأيام من المجازر الجماعية.
ونقل ليستر عن مسؤول رفيع في وزارة الداخلية السورية ، أن الحكومة بُذلت جهودٌ كبيرة عقب أحداث العنف في السويداء لتعزيز التواصل المؤسسي مع القبائل في مختلف أنحاء البلاد ، في محاولةٍ لخلق مزيدٍ من آليات السيطرة على تصرفاتها , وأشار ليستر إلى أن قرار وزارة الدفاع السورية بالتركيز حصراً على التقدم في المناطق العربية وتجنب المناطق الكردية تماماً قد ساهم في تجنب ارتكاب جرائم ، حيث استُقبلت القوات الحكومية باحتفالات في كل منطقة دخلتها , بالإضافة للتماسك الداخلي لوزارة الدفاع ، والقيادة والسيطرة ، والانضباط العملياتي
من جانبه أكد أحد قادة قوات العشائر , أن التنسيق والتخطيط مع وزارة الدفاع قد تم قبل دخول القوات , وقال عبد الفتاح محمد الشيخ “بداية جهزنا بأمر من قائد الفرقة 42 أكثر من ٤٠٠٠ مقاتل من المدنيين في الداخل موزعين بكل المحافظة ومن كل العشائر والبيوتات ، تم تنظيمهم قبل أسبوعين من التحرير ، وأثبت أهل المنطقة شجاعتهم وولائهم لله أولا ولدولتهم ثانيا ، رغم أن البعض همس في إذن وزارة الدفاع أن الرقة مستبعد أن تثور على المحتل وأذنابه ، وكانوا عونا لنا في التحرير من الداخل وبسلاحهم الشخصي”
وفي سبتمبر، تم تعيين الشيخ جهاد عيسى الشيخ مستشاراً للرئيس أحمد الشرع لشؤون القبائل والعشائر وهو منصب يستحدث لأول مرة في سوريا , وقد أجرى المستشار المعروف باسم أبو أحمد زكور، في الأشهر السابقة ، سلسلة من الاجتماعات مع شخصيات قبلية في أجزاء مختلفة من البلاد ، وأشار دخان إلى أنه ساعد دمشق على “تمهيد الطريق” سياسياً قبل تحول الرقة ودير الزور , وقال الباحث حيان دخان : “تكمن القيمة العملية في أن دوره يبدو أنه كان إدارة العلاقات والوساطة، مما يعني الإشارة إلى زعماء القبائل العربية بأن المركز الجديد سيعاملهم كشركاء، مما يسرع من الانشقاقات ويقلل من التكلفة السياسية لتغيير الجانب”.
وقال الخبير القبلي إن هناك أيضاً طبقة مؤسسية ، حيث أنشأت السلطات الجديدة مكتباً مخصصاً للقبائل والعشائر لإدارة التوترات ودمج الدوائر الانتخابية القبلية , وقال دخان : “إن تعيين زاكور يندرج ضمن تلك المحاولة الأوسع لتحويل السلطة القبلية إلى قنوات قابلة للحكم بدلاً من تركها كقوة مسلحة مستقلة” , وأشار دخان إلى أنه “قد تحتفظ القبائل بقدرات مسلحة مميزة لأنها تُعامل كقوات مساعدة أو شركاء أثناء عملية الاندماج، خاصة عندما تحتاج الدولة إلى القوى العاملة والشرعية المحلية والمعلومات الاستخباراتية”.
وانتقد البعض عدم محاسبة زعماء القبائل المعروفين بقربهم من نظام الأسد السابق أو إيران على أفعالهم , من ناحيته ، يرى الباحث السياسي أنس شواخ ، أن دعم العشائر للدولة السورية في معركة تحرير الجزيرة يعود إلى عاملين رئيسيين , الأول الحكم القسري الذي مارسته “قسد” ضد العشائر والسكان المحليين , والثاني البعد الاجتماعي والوطني الذي يربط هذه العشائر بإطار الدولة السورية الموحدة , ويعتبر شواخ ، أن الأحداث الأخيرة شكّلت فرصة طبيعية للعشائر لاستعادة دورها ضمن الدولة.
وأكد شواخ أن “قسد” حصلت على مهلة زمنية قاربت 9 أشهر بعد اتفاق 10 آذار، دون أن تنفذ أي بند منه ، رغم ما تضمنه من مكاسب كبيرة ، معتبرا أن سيطرة حزب العمال الكردستاني على قرار قسد كانت السبب الرئيسي في إفشال الاتفاق وخسارة جميع نتائجه المحتملة , فيما يتعلق بالبعد الاقتصادي ، يشير سرميني إلى أن فقدان قسد السيطرة على حقول النفط يُعد تحولا بالغ الأهمية ، إذ كانت تهيمن على معظم الثروة الوطنية النفطية ، إضافة إلى مناطق تُمثّل العمق الغذائي والاقتصادي لسوريا.
وهذه الموارد أُهدرت بسبب الفساد وسوء الإدارة، وتحولت السدود والموارد المائية إلى أدوات صراع، ما دفع الحاضنة الشعبية للالتفاف ضد “قسد” , فيما يوضح الباحث أنس شواخ أن الدولة السورية استعادت -حتى الآن- السيطرة على حقل العمر وبقية حقول دير الزور، إضافة إلى حقول في بادية الرقة وحقول غاز، مشيرا إلى أن ذلك يشمل نحو 70 إلى 80% من إنتاج النفط والغاز السوري، مع بقاء خارطة السيطرة متغيرة في بعض المناطق، لا سيما في الحسكة.
يرى الباحث السوري في العلاقات الدولية فراس علاوي، أن تقدم القوات الحكومية لم يكن عسكريا فقط، بل اعتمد على مزيج من العوامل الاجتماعية والمعنوية , وأكد علاوي أن الحاضنة الشعبية لعبت الدور الأبرز، حيث سيطر الأهالي على مناطق عدة قبل وصول الجيش ، ما سمح بدخول القوات دون قتال , وأشار إلى أن الانشقاقات في صفوف العناصر العربية ضمن “قسد” ، ورفض السكان المحليين لوجودها ، إضافة إلى دور الإعلام ، أسهمت في انهيار الحالة المعنوية لـ”قسد” ، مقابل ارتفاع معنويات القوات الحكومية وحلفائها.
ومع اكتمال عملية التحرير وعودة محافظات الجزيرة السورية إلى كنف الوطن ، بدأت تصل ، لأول مرة منذ أكثر من عشر سنوات، صور ومقاطع توثّق واقع هذه المناطق بعد سنوات طويلة من العزلة والاضطراب. أظهرت هذه المشاهد حجم الدمار الاقتصادي، والتفكك الاجتماعي، الذي عانت منه الجزيرة السورية، نتيجة عقود من الإهمال خلال الحقبة البعثية ، تلتها مرحلة شديدة السواد مع سيطرة تنظيم “الدولة الإسلامية”، ثم مرحلة جديدة مع وصول قوات سوريا الديمقراطية وسيطرتها على المنطقة.
وقال حيان دخان ، الخبير البارز في شؤون القبائل ، إن القبائل من جميع أنحاء البلاد “برزت كجهات فاعلة قوية خلال معركة السويداء – مما يدل على أن الدولة قادرة على حشدها في أوقات الأزمات السياسية” , وأضاف متحدثاً عن المناطق ذات الأغلبية العربية الخاضعة لسيطرة الأكراد في شرق سوريا : “ما حدث في السويداء يجب أن يوجه رسالة واضحة لقوات سوريا الديمقراطية : القبائل ليست جهات محايدة ، وفي أي مواجهة مستقبلية مع الحكومة المركزية ، يمكن استخدامها ضدها. فالحكومة تستغل بالفعل علاقاتها مع القبائل العربية في الشمال الشرقي لتحدي سلطة قوات سوريا الديمقراطية وتعزيز موقفها التفاوضي”.
فيما أعرب العديد من زعماء القبائل عن أملهم في أن يلعبوا دوراً أكبر في السنوات القادمة مقارنة بالماضي , وفي ورقة بحثية نُشرت عام 2014، كتب الخبير في شؤون القبائل ، دخان : “على الرغم من أن المسؤولين الحكوميين والحزبيين اعتبروا القبلية إحدى المشكلات الرئيسية في سوريا قبل عهد البعث، إلا أن حافظ الأسد أظهر مرونة غير عادية في سياساته تجاه القبائل. فقد اختار استراتيجية، على نحو استبدادي، تقوم على إنشاء نظام محسوبية بين نظامه وشيوخ القبائل النافذين”.
وأضاف دخان : “في عهد الأسد، تم استمالة القبائل من خلال المحسوبية وكان لها نفوذ سياسي محدود. لكنها لعبت دوراً رئيسياً في الثورة السورية، لا سيما في الجنوب والشرق” , وتابع “منذ سقوط النظام، عادت القبائل لتبرز كجهات فاعلة قوية. ومع انهيار السلطة المركزية، فرض الكثيرون سيطرتهم على المناطق المحلية ويشعرون بمزيد من التمكين، خاصة وأن بعضهم يتمتع الآن بعلاقات قوية مع شخصيات في الحكومة الجديدة.”
وفي خضم هذه التحولات القاسية، دفع سكان الجزيرة ، ولا سيما أبناء العشائر البدوية ، ثمنًا مضاعفًا ، ليس فقط بسبب الظروف الأمنية والمعيشية ، بل أيضًا نتيجة النظرة التعميمية والتمييز الذي طالهم، سواء على المستوى المجتمعي أو السياسي , فعلى مدى عقود، لم يُنظر إلى الجزيرة السورية إلا بوصفها خزّانًا استراتيجيًا للقمح والنفط والغاز، ومصدرًا للمياه عبر سد الفرات ، دون أن تُعامل بوصفها فضاءً اجتماعيًا حيًا، يضم مجتمعًا متنوعًا بثقافته وتقاليده وتاريخه.
ولم تُؤخذ خصوصية هذه المنطقة بعين الاعتبار في السياسات التنموية أو التعليمية أو الثقافية، بل جرى التعامل معها كمنطقة إنتاج فقط، تُستنزف مواردها دون أن يُعاد استثمارها في الإنسان الذي يعيش فوقها , وساهم هذا التهميش الممنهج في تعميق الشعور بالعزلة ، وكرّس فجوة متزايدة بين أبناء الجزيرة ومؤسسات الدولة ، ما أضعف تدريجيًا مفهوم الانتماء الوطني ، وفتح الباب أمام بدائل هوياتية ضيقة، قائمة على العشيرة أو السلاح أو النفوذ المؤقت.
وحتى بعد التحرير، لم يتغيّر الخطاب كثيرًا. فعند ذكر شمال شرق سوريا أو الجزيرة السورية، غالبًا ما يُشار إليها بوصفها مناطق نفوذ لهذا الطرف أو ذاك، أو بوصفها مناطق ثروات وموارد، دون الالتفات الجاد إلى العنصر البشري، الذي يُعدّ الركيزة الأساسية في بناء الوطن والدولة الحقيقية , ولا يقتصر هذا الإهمال على العشائر العربية وحدها، بل يشمل أيضًا باقي المكونات من أطياف المنطقة المتنوعة , غير أن التركيز في هذا السياق ينصبّ على العشائر العربية، بوصفها الأكثر عددًا ، على الأقل في محافظتين ، وفق التعدادات السكانية القديمة.
في ظل هذا الواقع، لجأ كثير من أبناء العشائر إلى مرجعياتهم القبلية التقليدية ، بوصفها ملاذًا بديلًا عن الدولة الغائبة. إلا أن جزءًا من زعامات هذه العشائر تحوّل ، في مراحل مختلفة ، إلى أدوات لخدمة مصالح ضيقة ، فتارة ارتبط بالنظام ، وتارة بإيران ، وتارة بتنظيمات متطرفة ، أو بحزب العمال الكردستاني ، مستثمرًا ثقافة الطاعة العمياء التي ترسّخت عبر أجيال ، في خدمة مكاسبه المالية والنفوذية.
وبالطبع، لا يمكن التعميم في هذا السياق، فليس جميع شيوخ العشائر أو أبنائها سواء، غير أن نسبة معتبرة وقعت في هذا المسار، نتيجة تراكمات طويلة من التهميش والحرمان , ويضاف إلى ذلك سياسات قديمة هدفت إلى تجهيل أبناء المنطقة ، ودفعهم نحو العمل الزراعي المبكر على حساب التعليم ، وإبعادهم عن المدارس والجامعات ، فضلًا عن تحويلهم إلى خزّان بشري للتجنيد في القوات المسلحة ، واستخدامهم وقودًا في الحروب الداخلية والخارجية ، وهي سياسات ما تزال آثارها قائمة حتى اليوم.
ولا يمكن تحميل أبناء الجزيرة السورية مسؤولية ما مرّوا به خلال الخمسة عشر عامًا الماضية على وجه الخصوص، ولا حتى خلال العقود الستة التي سبقتها في ظل حكم البعث. فقد كان سكان هذه المنطقة ، في مرحلة مبكرة ، جزءًا من الخطاب الرسمي الذي روّج لما سُمّي بـ“الثورة الفلاحية”، وانخرطوا ، بحسن نية، في الشعارات البعثية التي رفعت اسمهم ظاهريًا، بينما كانت في الواقع تكرّس تهميشهم , وعلى الرغم من ذلك، كانوا من أكثر الفئات تضررًا من الإهمال والتهميش ، سواء على المستوى التنموي أو التعليمي أو الخدمي.
ومع ذلك، فإن الحلول المطروحة اليوم ليست معقّدة ولا مستحيلة التنفيذ. بل يمكن الاستفادة من تجارب قريبة وناجحة في التعامل مع البنية العشائرية والقبلية ، كما هو الحال في دول الخليج العربي، مثل السعودية والإمارات وقطر والكويت ، حيث جرى دمج العنصر القبلي ضمن إطار الدولة الحديثة، مع الحفاظ على الموروث المحلي والاعتزاز بالهوية العشائرية ، دون أن يتحول ذلك إلى عائق أمام المواطنة أو الولاء الوطني.
لقد تحوّل هذا الاعتزاز، في تلك التجارب، إلى عنصر دعم للدولة، لا عامل إضعاف لها، وأصبح الانتماء للعشيرة مكملًا للانتماء للوطن، لا بديلًا عنه , ومن جهة أخرى، تبرز الحاجة الملحّة إلى دفع أبناء العشائر نحو نبذ السلاح ، وكسر الصورة النمطية التي تربط “الرجولة” بالقوة المسلحة والعزوة القبلية، واستبدالها بقيم العلم والمعرفة والعمل والإنتاج. فالشرف الحقيقي لا يُقاس بعدد البنادق، بل بقدرة الإنسان على بناء نفسه ومجتمعه.
ويمثل نشر التعليم ، وتعزيز الثقافة، وتوسيع فرص الوصول إلى المدارس والجامعات ، المدخل الأساسي لإعادة بناء الشعور الوطني في الجزيرة السورية ، إلى جانب تحسين الخدمات والمرافق العامة، وترسيخ حضور الدولة بوصفها راعية لمصالح الناس، لا مجرد سلطة فوقية , كما لا يمكن إغفال دور المؤسسات الثقافية والإعلامية ، التي شكّلت يومًا إحدى أهم أدوات التأثير المجتمعي، لكنها تجاهلت الجزيرة السورية لعقود , وتعد رغبة أبناء الجزيرة الواضحة في العودة إلى كنف الدولة , فرصة نادرة، وربما فريدة، لا يجوز التفريط بها. فاستثمار هذه اللحظة عبر سياسات عادلة وتنموية وثقافية متوازنة، هو السبيل الوحيد لتحويل المعاناة الطويلة إلى نقطة انطلاق نحو مستقبل أكثر استقرارًا وانتماء.



